الشوكاني
349
فتح القدير
وقرأ حمزة والكسائي ويحيى بن وثاب والأعمش " وولدا " بضم الواو ، والباقون بفتحها ، فقيل هما لغتان معناهما واحد ، يقال ولد وولد كما يقال عدم وعدم ، قال الحارث بن حلزة : ولقد رأيت معاشرا * قد ثمروا مالا وولدا وقال آخر : فليت فلانا كان في بطن أمه * وليت فلانا كان ولد حمار وقيل الولد بالضم للجمع وبالفتح للواحد . وقد ذهب الجمهور إلى أن هذا الكافر أراد بقوله : لأوتين مالا وولدا أنه يؤتي ذلك في الدنيا . وقال : جماعة في الجنة ، وقيل المعنى : إن أقمت على دين آبائي لأوتين ، وقيل المعنى : لو كنت على باطل لما أوتيت مالا وولدا ( كلا سنكتب ما يقول ) كلا حرف ردع وزجر : أي ليس الأمر على ما قال هذا الكافر من أنه يؤتي المال والولد سيكتب ما يقول : أي سنحفظ عليه ما يقوله فنجاز به في الآخرة ، أو سنظهر ما يقول ، أو سننتقم منه انتقام من كتبت معصيته ( ونمد له من العذاب مدا ) أي نزيده عذابا فوق عذابه مكان ما يدعيه لنفسه من الإمداد بالمال والولد ، أو نطول له من العذاب ما يستحقه وهو عذاب من جمع بين الكفر والاستهزاء ( ونرثه ما يقول ) أي نميته فنرثه ثنا المال والولد الذي يقول إنه يؤتاه . والمعنى : مسمى ما يقول ومصداقه ، وقيل المعنى : نحرمه ما تمناه ونعطيه غيره ( ويأتينا فردا ) أي يوم القيامة لا مال له ولا ولد ، بل نسلبه ذلك ، فكيف يطمع في أن نؤتيه ، وقيل المراد بما يقول نفس القول لا مسماه ، والمعنى : إنما يقول هذا القول ما دام حيا ، فإذا أمتناه حلنا بينه وبين أن يقوله ويأتينا رافضا له منفردا عنه ، والأول أولى . وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( أي الفريقين خير مقاما ) قال : قريش تقوله لها ولأصحاب محمد . وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( خير مقاما ) قال : المنازل ( وأحسن نديا ) قال : المجالس ، وفى قوله ( أحسن أثاثا ) قال : المتاع والمال ( ورئيا ) قال : المنظر . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ) فليدعه الله في طغيانه ، وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حبيب بن أبي ثابت قال في حرف أبي " قل من كان في الضلالة فإنه يزيده الله ضلالة " . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما في قوله ( أفرأيت الذي كفر ) من حديث خباب بن الأرت قال : كنت رجلا قينا وكان لي على العاص بن وائل دين . فأتيته أتقاضاه فقال : لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد ، فقلت : والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث . قال : فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيك ، فأنزل الله فيه هذه الآية . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( أم اتخذ عند الرحمن عهدا ) قال : لا إله إلا الله يرجو بها . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله ( ونرثه ما يقول ) قال ماله وولده . سورة مريم الآية ( 81 - 86 )